رحيم عبيد موسى : هذه هي أهم المعوقات التي تواجه المثقف العراقي    »   مدير مكتب برلمان كربلاء المقدسة : برلمانيو كربلاء توحدهم المدينة المقدسة وتفرقهم كتلهم    »   تربية واسط تقدم مسرحية الطير المهاجر في المهرجان المسرحي المدرسي بكركوك    »   الفنان جواد الجصاني يقيم معرضه الشخصي الرابع في الكوت    »   قلق حيال عدم حل جريمة مقتل صحفي كردي    »   تشييع اثنين من شهداء شرطة واسط من الذين استشهدو في تفجير كربلاء    »   توقيع عقد استثماري لانشاء محطة لتوليد الكهرباء من تدوير النفايات في واسط    »   مجلس محافظة واسط يمنع المنظمات والدوائر الحكومية من تلقي الامول دون موافقته    »   مديرية زراعة واسط تقيم مؤتمرها الاعلامي للنصف الاول من العام الحالي    »   النائبة ايمان الوائلي تدعو الى الاهتمام بمنفذ زرباطية الحدودي    »   


شبكة أخبار واسط » الأخبار » الصفحة الثقافية


  إيف ... قصة قصيرة
  الأربعاء 10-03-2010 11:22 صباحا

ترجمة / د. علي عبد الامير صالح*

تأليف/ ريفاز إنانشفيلي
                                             
كان الظلام شديداً لكنه لم يخف عصبية ((إيف)) التي إتكأت على الباب الصغير، تنقل محفظتها الجلدية بإضطراب من يد الى أخرى، وتثبت بيريتها (كانت لها طريقة فريدة في لبس البيرية مائلةً قليلاً الى أحد الجانبين ومنحدرةً فوق جبهتها) وتحجب عينيها بكفها.
((أروم أن أوجه اليك سؤالاً.)) قالت هي دون أن ترفع كفها عن عينيها.
((تفضلي، إسألي سؤالين ان شئتِ.)) رد أبيل.
تطلعتْ اليه ايف بحيرة واحنتْ رأسها ثم قالت:
((لا، ليس الآن.))
((متى اذاً ؟))
((ليس الآن.)) قالت وهي ما زالت محنية الرأس. ((غداً.. الى اللقاء.))
إستدارت وتوارتْ عن الانظار.
في مساء اليوم التالي كان أبيل ينتظرها تحت شجرة القيقب الهرمة. ينتهي دوام ايف في الساعة الثامنة والنصف. أمام باب المدرسة مرت الطالبات. كانت وجناتهن متوردة، هن مفعمات بالصحة والنشاط شأنهن شأن كل سكان الإقليم. عند باب المدرسة يجلس رجل مسن على كرسي، يبدو ذا شأن يرتدي سترة سوداء طويلة ويعتمر قبعة خاكية عريضة أشبه برئيس مزرعة تعاونية. في الثامنة وخمس وعشرين دقيقة يلمس جرساً نحاسياً كالذي يستعمله بائعو الكيروسين ويبقى مسمراً في مكانه كالتمثال، منتظراً إقتراب عقرب الساعة الكبير من الثامنة والنصف. يرفع الجرس فوق رأسه ويدقه. يدرك أبيل جيداً أن عليه الإنتظار بضع دقائق أخرى. بدأ الوقت لامتناهياً ولكي يجعله يمضي شرع يراقب المارة. كان الطريق ملتفاً بضباب كثيف لا تكاد تخترقه أضواء المصابيح. وتهمي حبات المطر الناعم مثل بعوضات صغيرة. التف رجل حول الزاوية، كان يترنح في مشيته كالسكران- وكان سكراناً فعلاً. سار عدة خطوات ثم توقف فجأة، رفع قبعته عن رأسه، وضمها الى صدره وأنشأ يغني : ((عُد الينا، الحب يدعوك، عُد الينا!))
ظهر رجل ثان. يبدو ثملاً هو الاخر. سمع غناء الرجل الأول. توقف، إستدار مباغتاً الرجل الأول وركله في مؤخرته. ترنح الأول الى الأمام وولى هارباً لا يلوي على شيء. ((هي – هي)) صاح الثاني ضاحكاً.
((يالروميو الملتاع من الحب!)) توقف قليلاً ثم هرول خلف الرجل الأول.
وما كادا يختفيان حتى ظهر رجل وفتاة.
((انت تعرفين جيداً، في ميسوري أن أعمل المستحيل.)) قال الرجل لفتاته حين مرا بجنب أبيل، محاولاً بجلاء زرع الخوف في قلب الفتاة. ((سأنشر الشائعات التي تصل الى أبيك، حينذاك يهيمن الإضطراب والخجل عليك وعلى والدتك …))
حدقت الفتاة في أبيل وإلتفتت الى مرافقها. ((انت أهبل)) قالت بابتسامة مرتبكة. قطعت قطة الطريق مهرولة، عندئذ مر رجل يحمل منشاراً. في تلك الاثناء دق جرس المدرسة. لاحت أشباح سود خلف نوافذ المدرسة المضاءة، وإندفعت هابطة السلم المضاء، وخيل لابيل أنها قد جفلت في السلم لفرط خوفها من الوحدة والبرد الذي كان ينتظرها خارج البناية الدافئة. في النهاية رأى ايف. كانت تضع على رأسها البيرية الرمادية نفسها وترتدي سترة سوداء قصيرة مزررة. فكر أبيل: على الارجح كانت والدتها ترتدي هذه السترة فيما مضى، او ربما إرتدتها شقيقتها الكبرى وبعد ذلك أصبحت مناسبة لايف. كان لفاع قرمزي خفيف يبرز قليلاً من ياقة سترتها. وكانت تحمل محفظتها الجلدية في يدها اليسرى. تمشي بإتزان ورأسها مرفوع بكبرياء. كان أبيل يهوى زينتها وبدنها قوي البنية، وكذلك اسمها المذكور في الكتاب المقدس ((على الارجح لأن اسمه مذكور ايضاً في الكتاب المقدس)). كان يحب عينيّ إيف أكثر من أي شيء آخر. عينين واسعتين شهلاوين وغامضتين. ويلاحظ أبيل دوماً ولع المارة بتينك العينين الساحرتين فيتوقفون أحياناً كالمصعوقين ناظرين اليها بعيون ملآنة بالدهشة.
يعي أبيل جيداً ان الجمال الساحر يكون دائماً مشحوناً بالأخطار في خلية النحل الهائلة المليئة بالضجيج والتي ندعوها : المدينة الحديثة.
لعل البعض يظن بان ايف لاتملك جمالاً فاتناً (( لكنها في نظر أبيل أكثر فتيات البسيطة جاذبية)). ويحس بأن عينيها الحلوتين الرائعتين وحدهما يجلبان له جملة من المصاعب.
((اني اتساءل ماذا تريد أن تسألني.)) إحتشدت في ذهنه الآف التخمينات التي لاحت كسؤال يوجهه طفل فيدعوه الى الإبتسام.
أمسك بيد أيف ((التي كانت باردة وخشنة قليلاً)) وزرع بصره في مقلتيها، محاولاً الحدس بماذا تفكر حبيبته. لم تطأطئ رأسها كما فعلت مساء أمس. انها الآن مرفوعة الرأس، تمنح وجهها لحبات المطر. وصلا الساحة. إنعطفا الى الشارع الرئيس. هناك، وقفت ايف تحت شجرة قيقب ضخمة، قطعت منها العديد من الأغصان لكنها ما زالت تحتفظ ببهائها ونضارتها. كانت قمتها كثيفة الغصون والورق. كانت ايف تحب هذه الشجرة وبوسعها الوقوف هناك ساعات عديدة تراقب العصافير الشريدة وهي تزقزق بين الأوراق.
ذات مرة قالت ايف انها تتخيل هذه الشجرة وهي تلقي شبكتها نحو السماء لتصطاد القمر بين اغصانها. أما الآن فليس ثمة عصافير ولا قمر. سارت ايف نحو الشجرة وإتكأت على جذعها كم تريد أن تأخذ نفساً.
((حين أشعر بالوحدة والحنين الى الأهل آتي الى هذه الشجرة،  اضغط وجنتي على لحائها هكذا.. وأتنفس بعمق، وأحس كما لو أنني في مسقط رأسي، في قريتنا، في حديقتنا.. ذات مرة كنتُ واقفةً هنا مثلما انا فاعلة الآن فاقبلت إمرأة وسألتني يتودد : { هل انتِ متوعكة الحال يا عزيزتي؟ }  انهم يوجهون اليّ السؤال نفسه دائماً. لماذا يبدو الانسان غريباً عندما يكون في حال تأمل، وقد يظن البعض انه متوعك الحال ويبدءون بتوجيه الأسئلة: ما الخطب؟ ماذا جرى؟…))
صمتت إيف لكن شيئاً ما كان يقلقها وعلى حين غرة إتجهت صوب المتنزه.
حل الخريف في المدينة، وبعثر الأوراق الذهبية هنا وهناك وغطى دروب المتنزه التي غدت كالسجاجيد المزركشة وأخذت الأوراق اليابسة تخشخش تحت أقدام المارة. لزم أبيل الصمت. وصلا الى مرجة هي أفضل بقعة مضاءة في المتنزه. إستدارت ايف برشاقة ضامة محفظتها الجلدية الى صدرها بقوة.
((اريد أن أسألك .. في هذا المكان بالضبط.. انه مضاء .. ويمكنني مشاهدة عينيك .. ويمكنك أن ترى عينيّ أيضاً .. ألم تطبع قبلهً على شفتيّ فتاة غيري مثلما .. مثلما فعلتَ معي؟))
يعتقد أبيل إن توجيه سؤال كهذا أمر صعب بالنسبة لإيف. كان وجهها شاحباً وترقرقت الدموع في مآقيها. لو قال إبيل الحقيقة .. بيد انه أحس (وقد قيل له ذلك مراراً) بأن من الأفضل أحياناً أن تكذب على المرأة وبصورة مقنعة جهد الإمكان، فربما تكون هذه الكذبة أحسن من الحقيقة الصادقة. وواجه نظراتها الباحثة عن جواب وبادر قائلاً بثبات: ((لا، أبداً، لم أقبل فتاة غيركِ.))
((إقسم ! ))
(( انني إقسم..))
لم تقدرْ ايف ان تحبسْ دموعها.
((أما انا فقد قبلوني .. قبلني الفتيان ثلاث مرات. إغفر لي .. اذا كان ذلك ممكناً.)) وارتجفت شفتاها. وفجأة شم أبيل بعمق رائحة المطر. كان لشفتيها رائحة المطر. جلس فوق الحشائش ورفع بصره اليها. وعلى الرغم من عدم رغبتها في أن يرى ابيل عبراتها الا انها لم تحنِِ رأسها. إبتسم ابيل وتناول حصاة عثر عليها بين الاوراق الساقطة، رفع ذراعه ورمى الحصاة الى أجمة التوت. اهتزت الاجمة بذعر ثم ما لبثت ان عادت الى سكونها.


المؤلف: ولد الكاتب ريفاز انانشفيلي Revaz Inanshivilli عام 1926، وتخرج في جامعة تفليس ((في جورجيا)) عام 1956.
لكن اول عمل ظهر له قبل ذلك، وبالضبط عام 1950. كتب عدداً كبيراً من القصص كما ألف كتباً للاطفال، من بينها: ((حيث يعيش راوي القصة)) و ((قصة شتائية)) – المترجم.

الزوار: 174

 


تسجيـل الدخـول

المستخدم
كلمة المرور


المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي ادارة الشبكة - جميع الحقوق محفوظة لشبكة أخبار واسط 2009 - 2010
Powered By Arabportal  -  Designed & Developed By Rowafid

احدى خدمات موقع الكوت نت -  المجتمع الكيتاوي الأول على الانترنت - للإتصال بنا - اضغط هنا